"هبْ أن كتاباً بسبعين مليار نسخة استقرَّ بأسره فوق طرف ظفرك؛ هذا الإنجاز المذهل هو ما حققه العالم «جورج تشيرتش» بجامعة هارفارد، حينما استطاع فكَّ شفرة لغة «الأصفار والآحاد» الرقمية وإعادة صياغتها بلغة الحياة البيولوجية.".
جميع الحقوق محفوظة © [عام 2026] | بريشة وفكرة: [تغريد صلاح عشري]
بدايةً: من هو صاحب التجربة جورج تشيرتش؟
هو أحد الأعضاء المؤسسين في معهد ويس للهندسة البيولوجية في جامعة هارفارد وأستاذ علم الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد،
وقد قام هو وفريقه بتحويل كتاب ”Regenesis: How Synthetic Biology Will Reinvent Nature and Ourselves“ - (التجديد: كيف ستعيد البيولوجيا التخليقية اختراع الطبيعة وأنفسنا)
ولنلقي نظرة خاطفة داخل الحمض النووي DNA، نرى وكأنه مكتبة تَسَعُ أطنانًا وأطنانًا من الكتب؛ حيث أن الـ DNA هو بالفطرة بنك بيولوجي قادر بكفاءة على تخزين البيانات.
ولا تقتصر ميزته على كفاءته فحسب، بل يتميز بكثافة هائلة، ومستقرة بجانب أنها موفرة للطاقة، وثبتت فعاليتها في احتواء المعلومات على مدار حوالي 3.5 مليار سنة!
ومن اللافت للاهتمام أن فريق بروفيسور تشيرتش تبنى جيلًا جديدًا من التجربة؛ حيث تم تشفير بيانات تفوق سابقتها بألف ضعف!
لكن كيف نجح هذا الإنجاز المذهل؟
الباحثون استخدموا ترميزًا ثنائيًا للأصفار والآحاد (0\1) للحفاظ على النصوص والصور ومحتوى الكتاب، وعلى الرغم أن الحجم المماثل للوسيط لا يتجاوز حجم قرص مرن (floppy disk) (مقاس 13.335 سم)، فإن كثافة البتات (bits) تفوقُ المعدلات المعتادة إذ بلغت قرابة (5.5 بيتابايت)، أو ما يعادل مليون جيجابايت، لكل مليمتر مكعب.
قال بروفيسور سريرام كوسوري، باحث أول في معهد ويس ومؤلف رئيسي في الدراسة:
”تتفوق كثافة المعلومات وحجمها إذا تمت مقارنتها بأساليب التخزين التجريبية الأخرى في مجال البيولوجيا والفيزياء".
"على النقيض من التصوير الثلاثي الأبعاد الكمومي (quantum holography)_ والتي تحتاج إلى درجات حرارة منخفضة وطاقة هائلة_ فالـ DNA يحفظ بدرجة حرارة الغرفة ويمكنك إلقاءه أين ما تشاء؛ في الصحراء أو بحديقة منزلك الخلفية، وستظل هناك حتى ولو بعد 400,000 سنة".
ماذا عن بعض العقبات؟
نعم، لكل شيء ثمنه فالقراءة والكتابة من وإلى الحمض النووي تُعد أبطأ مقارنةً بالوسائط الأخرى. لكن المدهش في الأمر أنه يُعدّ مثاليًا للاستخدام كأرشيف للمعلومات والبيانات الضخمة؛ لكنه لا يصلح للعمليات التي تحتاج سرعة في نقل واسترجاع البيانات.
يقول بروفيسور تشيرتش: "تخيل أن لديك مسجلًا للفيديو في كل مكان حولك!"
على الرغم من أن بعض المشاريع والتجارب الأخرى نجحت في ترميز البيانات في بكتيريا حيوية، إلا أن فريق تشيرش تفوق في استخدم رقائق الحمض النووي لإنشاء حمض نووي أكثر استقلالًا.
قال البروفيسور تشيرش: ”لقد تجنبنا عمدًا الخلايا الحية".
فإذا تمعنّا في تلك الخلايا الحية، نرى أن بياناتك تُشكل جزءًا ضئيلاً من المساحة الكلية للخلية؛ لذا سيتبقي الكثير من المساحات المهدورة. ولكن الأهم من ذلك، أنه بمجرد دخول الحمض النووي إلى الخلية، يواجه أحد مصيرين: فإما أن يُصبح عبئًا لا فائدة منه، وإما أن يفتقر للميزة التطورية _وفي كلتا الحالتين_ فإن الخلية مبرمجة على تحويره أو محوه تمامًا.
ومن منظور آخر، رفض الفريق ما يسمى بـ ”التسلسل العشوائي“ أو “shotgun sequencing”، الذي يعيد تجميع تسلسلات الحمض النووي الطويلة من خلال تحديد التداخلات في السلاسل القصيرة. وبدلا من ذلك استلهموا بعض الأفكار من التقنيات الحديثة، وقاموا بترميز الكتاب في (96 بت) من البيانات "data block" ، مع (19 بت) كعناوين لتلك البيانات "data addresses"، مع العلم أن تلك البيانات تحوي صور بصيغة jpeg وتنسيقات HTML، تطلّب ترميز الكتاب 54898 من كتل البيانات "data blocks" ، كل منها تسلسل حمض نووي فريد.
قال بروفيسور كوسوري: ”أردنا أن نوضح كيف أن العالم الحديث مليء بالأصفاى والآحاد، وليس بالأحرف من A إلى Z فقط“.
التسلسل العشوائي - “shotgun sequencing” -
وأخيرًا، الترميز الثنائي ما هو إلا سيمفونية يمكن عزفها على أيّةِ آلةٍ كانت، والخلايا ما هي إلا آلات خُلقت، وطبعًا هي من بدائع الكون. فهمنا لتلك الآلة يجعلنا نعزف عليها مقطوعة تحوي أصفارًا وآحادًا بآلاف وبلايين من الجيجا بايت. وهذا الاكتشاف يجعلنا نأخذ نفسًا ونفكر... إذا كان الإنسان مجرد خطاطًا للكون يكتب ما يشاء على أىّ حائط شاء،
ماذا عن كل ما وُجد قبل ملايين السنين؟ وماذا عن الخالق الأعظم؟
ماذا عن كل ما وُجد قبل ملايين السنين؟ وماذا عن الخالق الأعظم؟
__________________________________________________________
المصدر : WYSS Harvard
[ https://wyss.harvard.edu/news/writing-the-book-in-dna ]


جُسور تواصلنا