ثمة تهكمات في المجتمع العلمي طويل الأمد حول معدل توسع الكون ولا يبدو أننا سنشهد حلولا؛ فهو يترك الخبراء داخل
جميع الحقوق محفوظة © [عام 2026] | بريشة وفكرة: [تغريد صلاح عشري]
مفارقة المسافة والزمن
من المذهل أن عمر الكون 13.8 مليار سنة، لكن نصف قطره 46 مليار سنة ضوئية. هذا الرقم يبدو خاطئاً للوهلة الأولى (كيف قطع الضوء مسافة أطول من عمره؟)، لكن التفسير يكمن في أن "المكان" تمدد أثناء رحلة الضوء.تخيل أنك ترسم خطاً على ورقة مطاطية، وأثناء رسمك، يقوم شخص آخر بشد الورقة. الخط الذي رسمته سيصبح أطول بمرور الوقت ليس لأنك حركت القلم أسرع، بل لأن "اللوحة" نفسها تمددت.
هذا ما يحدث عندما يتمدد الكون، لكن ما هي المعادلة التي تصف تمدد الكون؟
المعادلة بسيطة جداً في شكلها الرياضي:
ثابت هابل \( H_0 \) لا يعتبر معادلة جافة، بل هو "نسبة وتناسب" في لوحة كونية متغيرة.
القيمة الحالية التقريبية: حوالي 70 كم/ثانية لكل ميجابارسيك (حيث أن الميجابارسيك وحدة مسافة فلكية ضخمة).
لماذا هذا الرقم "مثير للجدل" حالياً؟
هناك طريقتان لحساب الثابت:1- الطريقة المحلية: رصد المجرات القريبة (تعطي حوالي 73).
2- طريقة حساب بقايا اشعاعات الميكروية الكونية (CMB): رصد آثار الانفجار العظيم (تعطي حوالي 67).
هذا الفرق (73 مقابل 67) يسمى "أزمة هابل". هناك " بيانات متباينة" تُحيّر العلماء؛ فإما أن بياناتنا بها خطأ، أو أن هناك "فيزياء جديدة" لا نعرفها بعد!
بين بلانك والتلسكوب الراديوي : تشريح البيانات التي هزت أركان الفيزياء!
ولكي نفهم من أين جاءت هذه الفجوة في الأرقام، علينا العودة إلى "مختبرات السماء"؛ وتحديداً إلى البيانات التي جمعتها وكالة الفضاء الأوروبية عبر تلسكوباتها العملاقة، حيث أن علماء الكونيات استخدموا بقايا الإشعاعات الميكروية الكونية CMB من عام 2009 إلى عام 2013، لوضع الصورة المبدأية للنموذج القياسي للكون، وهو ما يسمى LCDM و _L تعني lambda _ والمعني بها هي الطاقة المظلمة dark energy، والتي تتسبب بشكل رئيسي في تمدد الكون وتمثل 68 بالمائة منه، في حين أن المادة المظلمة dark matter تمثل 27 بالمائة، وأما الباقي تمثله المادة المعتادة normal matter.
واستنتج فريق بلانك من بقايا الأشعة الميكروية الكونية CMB معدل التمدد الأوليّ للكون، واستنتجوا أن \( H_0 \) يساوي حوالي 67.5 كم/ثانية لكل ميجابارسيك، وهو ما أكده تعاون تلسكوب أتاكاما للكونيات (ACT) عندما قاموا بحساب ثابت هابل \( H_0 \) عبر اكتشاف خريطة أكثر دقة باستخدام تلسكوب راديوي أرضي في جبال الأنديز التشيلية، وقد دمجت بين الحسابات الكونية لل CMB وتصنيفات حسابية للمجرات عن طريق أعمار النجوم وأوجه أخرى من الحسابات الكونية؛ وأكدوا أنه يساوي حوالي 68.22 كم/ثانية لكل ميجابارسيك، وهو رقم أعلى قليلًا من سابقه.
هل كانت قفزة خاطفة أم تسلقًا تدريجيًا؟
تعمل هذه النجوم كـ "شموع قياسية"؛ فسطوعها ليس ثابتًا، بل "ينبض" بإيقاع زمني محدد. ومن خلال الربط بين وتيرة نبضها الدورية (التي تشبه نبضات القلب أو ترددات البيانات) وبين لمعانها الحقيقي، تمكنا من حساب مسافاتها بدقة مذهلة، هذه الخطوة كانت "المعايرة" الأساسية التي سمحت لنا بفهم أبعاد المجرات المجاورة، ومن ثم الانطلاق لقياس عمق الكون.
في هذه المرحلة، ننتقل لدرجة أعلى في "سُلم المسافات الكونية". الفكرة هنا تعتمد على المقارنة والقياس: فنحن نبحث عن نجم قيفاوي في مجرة أبعد، ونقارن لمعانه الظاهري (كما نراه من الأرض) بـ لمعانه الحقيقي الذي استنتجناه بدقة من "وتيرته الدورية. وهذه المقارنة بين ما "نراه" وما "نعرفه" هي التي تسمح لنا بتقدير المسافة الشاسعة التي تفصلنا عن تلك المجرة. إنها عملية معايرة (Calibration) مستمرة؛ فكلما ثبتنا مسافة مجرة قريبة عبر هذه النجوم، استخدمناها كـ "نقطة مرجعية" للانطلاق نحو مجرات أبعد، حتى نصل إلى اللحظة التي تتمدد فيها موجات الضوء وتتحول إلى اللون الأحمر.
سُلم كوني بديل: السطوع المطلق للعمالقة الحمراء
للوصول إلى مجرات أكثر بُعداً وتشتتاً، اختار (تولي) و(جو جينسن) وزملاؤهما تسلق سُلم مسافات كوني مختلف يتجنب استخدام المستعرات العظمى. تعتمد هذه الطريقة على نوع آخر من الشموع القياسية: وهو ما يُعرف بـ (قمة فرع العمالقة الحمراء - TRGB).
هذه النجوم -التي تتراوح كتلتها بين جزء كبير من كتلة شمسنا إلى أضعافها- تمر في المرحلة الأخيرة من حياتها، حيث تضخمت واكتست باللون الأحمر (ومن هنا جاء اسم العملاق الأحمر). وبشكل أكثر تحديداً، تكون هذه النجوم قد استهلكت كل الهيدروجين تقريباً، تاركة خلفها لباً من الهيليوم. وعندما يتخطى هذا اللب حداً دقيقاً جداً من الكتلة، يشتعل الهيليوم فجأة، مما يمنح هذه النجوم جميعاً نفس درجة اللمعان الجوهري.
ولكي يتمكن الفلكيون من معايرة السطوع المطلق لهذه النجوم بدقة، احتاجوا إلى تقدير المسافة إليها دون الاعتماد على النجوم القيفاوية (Cepheids). وهنا برزت الأهمية الكبرى لمجرة تُدعى (NGC 4258) كمرجع أساسي لهذا القياس.
تحتضن المجرة NGC 4258 سحباً غنية بالمياه تُعرف باسم (الميغاميزر - Megamasers). ولتبسيط المفهوم، الميزر هو المكافئ لـ 'الليزر' ولكن في نطاق موجات الميكروويف، وكلمة 'ميغا' تشير إلى انبعاثاتها الهائلة والمتماسكة التي تجعلها مشرقة وواضحة جداً حتى عبر المسافات الكونية السحيقة.
لقد قام فرق بحثية أخرى بالفعل بقياس سرعة هذه السحب وهي تدور حول الثقب الأسود الهائل في مركز المجرة، واستنتجوا المسافة الهندسية الدقيقة لمجرة NGC 4258. استغل (تولي) وزملائه هذه المسافة، ومعها أرصاد تلسكوب جيمس ويب (JWST)، لمعايرة السطوع المطلق لنجوم (قمة العمالقة الحمراء - TRGB) داخل هذه المجرة.
وبمجرد تسلحهم بهذه المعلومة المرجعية، استخدموا تلسكوب جيمس ويب لرصد وحساب المسافات إلى 14 مجرة أخرى تحتضن هذا النوع من النجوم.
تحدي ضجيج الجاذبية: متى يظهر تمدد الكون بوضوح؟
ومع ذلك، لا تزال هذه المجرات قريبة نسبياً منا؛ حيث لا تخضع سرعاتها لتوسع الكون وحده، بل تتأثر بقوى السحب والدفع الناتجة عن المجرات الأخرى داخل تجمعاتها المجرية.
ويوضح (غاجانديب أناند)_عضو الفريق من معهد علوم تلسكوب الفضاء_ هذا التحدي قائلاً: 'لقياس ثابت هابل بدقة، يتعين علينا قياس المسافات إلى المجرات التي تبعد مئات الملايين من السنين الضوئية، أي بعيدًا بما يكفي لضمان ألا تتدخل تأثيرات التفاعلات الجاذبية بين المجرات المختلفة في دقة قياساتنا.
وهنا، كان على الفريق تسلق درجة إضافية في هذا السلم الكوني الجديد الذي يستغني عن المستعرات العظمى. استخدم الفريق مسافات (TRGB) المستنتجة سابقًا لتمييز خاصية في المجرات الهرمة المليئة بهذه النجوم، تُعرف بـ (تقلبات السطوع السطحي - SBF).
ولأن هذه الخاصية (SBF) هي سمة إحصائية تعتمد على قياسات مجموعة كاملة من النجوم بدلاً من الأفراد (الذين يصعب تمييزهم من المسافات البعيدة)، فهي مثالية لعمليات الرصد العميقة في أغوار الكون. ومن خلال ربط قياسات (SBF) بتقنية (TRGB)، استطاع (تولي) وزملائه استخراج مسافات المجرات من أرصاد سابقة أجراها تلسكوب هابل، وصولاً إلى مسافة هائلة تبلغ حوالي 100 ميجابارسيك.
وفي النهاية، وبناءً على تلك المسافات لحساب ثابت هابل (H_0)، توصل الباحثون إلى قيمة تقارب 73.8 كم/ثانية/ميجابارسيك. وقد نشر الباحثون نتائجهم هذه في منصة (arXiv.org) في شهر فبراير 2025.
خاتمة
في النهاية، يضعنا الرقم 73.8 أمام حقيقة مذهلة؛ فكلما ابتكرنا "مسطرة" جديدة للقياس، وكلما زادت دقة بياناتنا عبر تلسكوبات مثل جيمس ويب، تأكدنا أن الفجوة مع الرقم 67 ليست مجرد خطأ في الحساب، بل هي "صمتٌ محيّر" في سيمفونيتنا الكونية.
كوني مهندسة، أرى في هذا التباين "شذوذاً في النموذج" (Data Anomaly) يستوجب إعادة النظر في قوانين اللعبة بأكملها. وكفنانة، أرى في هذا الاختلاف مساحة من الغموض تذكرنا بأن لوحة الكون أكبر بكثير من إطاراتنا النظرية الحالية.
ربما لا نحتاج لمزيد من الأرقام فقط، بل نحتاج لـ "فيزياء جديدة" تشرح لنا لماذا يركض الكون في محيطنا المحلي أسرع مما كان عليه في بداياته. وحتى ذلك الحين، سيبقى ثابت هابل هو ذلك اللغز الجميل الذي يربط بين ما نراه في "سكتشاتنا" اليدوية وبين ما ترصده أضخم التلسكوبات في أعماق الفضاء
__________________________________________________المصادر : [https://www.scientificamerican.com/article/the-hubble-tension-is-becoming-a-hubble-crisis/]

جُسور تواصلنا