جميع الحقوق محفوظة © [عام 2026] | بريشة وفكرة: [تغريد صلاح عشري]
رحلة هندسية وفلسفية في سُلّم المسافات الكونية، كيف قسنا أبعاد الكون بالمنطق والبيانات؟ من اكتشافات ليفيت عام 1912 ومنطق برتراند راسل إلى لغز الطاقة المظلمة، مقال يجمع بين دقة الهندسة وجمال الرسم اليدوي.
في عام 1912، وبينما كان الفيلسوف والرياضي برتراند راسل يخط في كتابه 'مشكلات الفلسفة' تساؤلاته الوجودية حول حدود معرفتنا بما لا نلمسه، كانت السماء تخبو وتتوهج لتكشف للبشرية عن أعظم سر هندسي في تاريخها، وفي تلك السنة المزدحمة بالتحولات، لم نكن نملك سوى حواسنا المحدودة، لكننا كنا على أعتاب صياغة "منطق كوني" جديد.
يقول راسل: "العلم هو ما نعرفه، والفلسفة هي ما لا نعرفه"؛ ومنذ تلك اللحظة، تحولت المسافات الكونية من مجرد تأملات فلسفية غامضة إلى بيانات هندسية قابلة للقياس. لقد بدأنا ببناء سُلّم المسافات الكونية، تلك السلسلة المنطقية التي لا ننتقل فيها من درجة إلى أخرى إلا بعد "معايرة" حواسنا وأدواتنا؛ فنحن لا نلمس النجوم، لكننا—تماماً كمنطق راسل—نستنتج وجود الحقيقة من أثرها.
في هذا المقال، نتحرر من حدود الأرض لنصعد درجات هذا السلم؛ بدءاً من هندسة المثلثات البسيطة التي قسنا بها تزيح النجوم، وصولاً إلى الانفجارات العظيمة التي رسمت لنا حدود الكون المنظور، هي رحلة في هندسة اللامتناهي، حيث تلتقي ريشة الفنان بدقة البيانات، لنفهم كيف صعدنا من "الوصف" إلى "اليقين" في عام غيّر نظرتنا للسماء إلى الأبد.
الدرجة الأولى من السلم: حساب زوايا المثلثات الكونية
إن المسافات الكونية شاسعة للغاية لدرجة أنه لا توجد لدينا طريقة بسيطة لقياسها، لذا تم تقسيمها إلى درجات في سلم كوني عظيم، فبالنسبة للمسافات داخل المجموعة الشمسية، يمكننا قياسها مباشرةً وذلك باستخدام الرادار وبعض العمليات الحسابية المثلثية البسيطة للغاية.
لكن من الصعب استخدام الرادار عندما يستغرق الضوء دقائق أو ساعات لعبور المجموعة الشمسية؛ وأقرب نجم يبعد أربع سنوات ضوئية! هناك طريقة أكثر صعوبة ولكنها مباشرة وهي المنظور المثلثي، وهي اشتقاق المسافات إلى النجوم القريبة عن طريق قياس مقدار ما يبدو أنها تتحرك بالنسبة للنجوم في الخلفية خلال عام.
هذه الطريقة هي الطريقة الأكثر مباشرة التي لدينا لقياس المسافات إلى النجوم، ولكن فقط لتلك التي تقع في نطاق ألف سنة ضوئية تقريبًا!
يتطلب قياس المنظر قياسات دقيقة جدًا لمواقع النجوم في السماء، أكبر اختلاف في المواقع يقل عن ثانية قوسية واحدة، وهذا هو أقرب نجم إلينا (على بعد 4.3 سنة ضوئية).
للمقارنة، يبلغ قطر القمر الكامل 1800 ثانية قوسية! يتناقص حجم الاختلاف في المواقع كلما ابتعد النجم، حتى يصبح في النهاية أصغر مما يمكننا قياسه.
ملحوظة:
الثانية القوسية (Arcsecond) هي وحدة قياس للزوايا الصغيرة جداً، وهي جزء لا يتجزأ من علوم الفلك والملاحة والهندسة الدقيقة. لفهمها ببساطة، تخيل تقسيم الدائرة الكاملة إلى أجزاء متناهية في الصغر.
اذن لنرى كيفية اشتقاقها وتقسيمها:
- التسلسل الهرمي للقياس الزاوي:
1. الدائرة الكاملة تحتوي على 360 درجة.
ولأن الفضاء شاسع جداً والأجرام السماوية تبدو صغيرة للغاية، نحتاج لوحدات أصغر من الدرجة الواحدة.
2. الدقيقة القوسية (Arcminute): هي نتاج تقسيم الدرجة الواحدة إلى 60 جزءاً.
3. الثانية القوسية (Arcsecond): هي نتاج تقسيم الدقيقة القوسية الواحدة إلى 60 جزءاً.
1' = 60'' (ثانية قوسية).
إذن، الثانية القوسية الواحدة تساوي 1/3600 من الدرجة الواحدة.
جميع الحقوق محفوظة © [عام 2026] | بريشة وفكرة: [تغريد صلاح عشري]
الدرجة الثانية من السلم: ليفينت واكتشافها لطرق قياس أغوار الكون 1912
أجرت عالمة الفلك في جامعة هارفارد، هنريتا سوان ليفيت، ملاحظة حاسمة بشأن النجوم المتغيرة من نوع «سيفيد» التي رُصدت في سحابة ماجلان الصغيرة، وذلك بعد قياس دورات النجوم المتغيرة من نوع «سيفيد» ودرجات سطوعها النسبية، حيث وجدت علاقة بين زمن الدورة والسطوع الظاهري لجميع النجوم؛ فقد كانت النجوم ذات الدورات الأطول أكثر سطوعًا من تلك ذات الدورات الأقصر.
وبناءً على الافتراض المعقول بأن سحابة ماجلان الصغيرة بعيدة بما يكفي بحيث تكون جميع النجوم على مسافة متساوية تقريبًا، يمكنك افتراض وجود علاقة بين الزمن والسطوع المطلق أيضًا! وهذا كان اكتشافًا بالغ الأهمية في الفيزياء الفلكية الحديثة؛ فقد كان يعني أنه يمكن إجراء قياس سهل — فترة نبض السيفيد — والحصول على المسافة، وهو ما كان من المستحيل الحصول عليه حينها.
وفي حين أن النجوم في سحابة ماجلان بعيدة جدًا بحيث يتعذر قياس المسافات باستخدام المنظر، إلا أن هناك خطوات وسيطة كافية ومعايرة جيدًا في سلم المسافات تسمح بمعايرة علاقة زمن الفترة واللمعان لنجوم السيفيد القريبة.
لذا أصبحت علاقة الفترة واللمعان (PL) واحدة من أهم الأدوات لقياس المسافات في الكون، وتم تأكيد اكتشاف ليفيت عام 1908 بأنه لا ينطبق فقط على السيفيدات، بل على عدد من المتغيرات النابضة الأخرى أيضًا.
كان أحد هذه الأنواع هو نجوم RR Lyrae التي توجد عادةً في العناقيد الكروية، وشكل قياس المسافات إلى العناقيد الكروية جزءًا من الحجة التي سمحت للفلكيين بفهم حجم وشكل مجرة درب التبانة وجميع "السدم اللولبية" الأخرى في الكون.
لقد غيّر اكتشاف قياس واحد للكون فهمنا لحجمه بعدة مراحل من حيث الحجم -- فمن آلاف السنوات الضوئية إلى الملايين (وفي النهاية إلى المليارات).
(الصورة من موقع : aavso.org)
لماذا حدثت هذه العلاقة بين السطوع والزمن؟
إحدى طرق التفكير في الأمر هي النظر في سبب اختلاف السطوع الذاتي للنجوم. تعتمد كمية الضوء التي تصدرها النجمة على أمرين: حجمها الفيزيائي ودرجة حرارتها.
و تقع نجوم السيفيد في نطاق ضيق نسبيًا من درجات الحرارة، ولذا فإن الفرق الأساسي بين نجم سيفيد وآخر هو حجمه. يمكنك إثبات، باستخدام حجج ديناميكية بسيطة، أن مقدار الزمن الذي يستغرقه النجم لإكمال دورة نبض واحدة يتناسب طرديًا مع حجم النجم — فكلما كان النجم أكبر، زاد الوقت الذي يستغرقه لإكمال دورة نبض. ولكن بما أننا نعلم أن النجوم الأكبر حجمًا أكثر سطوعًا، فيمكننا تحديد علاقة بين الزمن والسطوع.
الدرجة الثالثة من السلم: مسطرة المجرات الكونية البعيدة وشموع لاسوبرنوفا
غالبًا ما يستخدم العلماء لقياس المسافات في الكون مصطلح «شمعة قياسية» كاستعارة لمصدر ضوء معاير في هدف بعيد، ولتقدير المسافات الشاسعة نحتاج إلى شمعة شديدة السطوع؛ لذا تعد السوبرنوفا من بين ألمع النجوم المتغيرة الموجودة، ويمكننا رؤية السوبرنوفا في مجرات تبعد مئات الملايين من السنوات الضوئية!
وهناك عدد من الأنواع المختلفة من المستعرات العظمى، لكنها تنشأ في المقام الأول من نوعين مختلفين من الأسلاف: فهي إما كانت نجوم قزمة بيضاء وحدث انهيار وانفجار لاحق وضخم في أنظمة ثنائية متغيرة كارثية أوهي نتيجة لانهيار النجوم الضخمة في نهاية حياتها.
حيث أكثر الأنظمة إثارة للاهتمام في المناقشة الحالية هي أنظمة القزم الأبيض المنهارة، المعروفة باسم المستعرات العظمى من "النوع Ia".
في السوبرنوفا من النوع Ia، يقوم قزم أبيض في نظام ثنائي بامتصاص المادة من النجم الثانوي في هذا النظام، فنرى أيضا حدود لكتلة الأقزام البيضاء (حوالي 1.4 ضعف كتلة الشمس)، وهو ما يُعرف بـ«حد تشاندراسيكار» _ تيمناً بمكتشفه، سوبرامانيان تشاندراسيكار_ إذا أصبح القزم الأبيض أكثر كتلة من ذلك (عن طريق اكتساب المادة من رفيقه، على سبيل المثال)، فإن القوى الذرية التي تحافظ على النجم في مواجهة الجاذبية لم تعد قادرة على تحمل وزن الطبقات الخارجية، فينهار النجم.
وعند حدوث ذلك الانهيار ، يخضع قلب النجم لتفاعلات نووية عنيفة تولد كمية هائلة من الطاقة، فينفجر النجم مما يؤدي إلى تفككه بالكامل.
ونظرًا لأن جميع السوبرنوفا من النوع Ia ناتجة عن نفس العملية الفيزيائية، فإن السوبرنوفا من النوع Ia تتصرف بنفس الطريقة تقريبًا وتطلق نفس كمية الطاقة عند انفجارها، وهذا هو بالضبط ما نحتاجه عند البحث عن شمعة قياسية!
والأفضل من ذلك، أن السوبرنوفا من النوع Ia ساطعة، ويمكن أن تتفوق في سطوعها على جميع النجوم الأخرى في المجرة مجتمعة.
يمكنك اكتشاف السوبرنوفا في مجرات تبعد مئات الملايين من السنوات الضوئية، مما يمنحنا أداة قوية لمعايرة الانزياح نحو الأحمر على مسافات أكبر مما تستطيع السيفيدات.
الدرجة الرابعة: علاقة "تولي-فيشر" - موازين المجرات الحلزونية
عندما نبتعد في أعماق الكون إلى حدٍّ لا يمكننا فيه رصد النجوم المنفردة أو الشموع القياسية بدقة، ننتقل من قياس النجوم إلى قياس المجرات بأكملها. في عام 1977، قدّم الفلكيان "رينت تولي" و"ريتشارد فيشر" علاقة تجريبية مذهلة تربط بين سرعة دوران المجرة الحلزونية وبين لمعانها الإجمالي (Luminosity).
الأساس الفيزيائي: تعتمد هذه العلاقة على كتلة المجرة؛ فكلما كانت المجرة أكثر كتلة، زادت قوة جاذبيتها، وبالتالي تطلبت سرعة دوران أكبر لنجومها وغازاتها ليبقى النظام مستقراً، وبما أن الكتلة الأكبر تعني (غالباً) وجود عدد أكبر من النجوم، فإن المجرة تكون أكثر لمعاناً.
تعمل هذه العلاقة كأداة "معايرة" (Calibration) عبقرية؛ فنحن يمكننا قياس سرعة دوران المجرة بسهولة عبر رصد انزياح خطوط طيف الهيدروجين (بفعل تأثير دوپلر)، ومن هذه السرعة "نستنتج" لمعان المجرة الحقيقي.
وبمقارنة هذا اللمعان المستنتج باللمعان الظاهري الذي نرصده بتلسكوباتنا، نتمكن من تحديد المسافة الفاصلة بيننا وبين تلك المجرة بدقة مدهشة، إنها اللحظة التي تتحول فيها حركة المجرة الدورانية إلى "مسطرة" تقيس أبعاد الزمكان!
الدرجة الأخيرة: التسارع الكوني
وهنا تبدأ القصة في أن تصبح مثيرة للاهتمام. في أواخر التسعينيات، كان هناك فريقان مستقلان من علماء الفلك يحاولان اكتشاف وتسجيل السوبرنوفا من النوع Ia في مجرات بعيدة، وذلك في إطار دراسة أوسع نطاقاً تهدف إلى فهم الطبيعة الأساسية للكون. كان من المفترض أن تكون العلاقة بين الانزياح نحو الأحمر والسطوع الأقصى للسوبرنوفا ثابتة، حيث كان من المفترض أيضاً أن تمدد الكون ظل ثابتاً منذ الانفجار العظيم.
ومع ذلك، اكتشف الفريقان أن السوبرنوفا من النوع Ia ذات الانزياح نحو الأحمر الأعلى كانت أضعف مما كان متوقعًا من هذا التمدد الثابت، مما يعني أنها كانت أبعد.
وهذا يعني أن الكون لم يكن يتوسع بمعدل ثابت، بل يتسارع! وهذا هو أول دليل رصد على وجود شيء يُسمى "الطاقة المظلمة"_المسببة لتمدد الكون_ وهو شيء تنبأ به ألبرت أينشتاين ولكن لا يزال سببه وأصله مجهولين إلى حد كبير.
إذا كانت الطاقة المظلمة حقيقية — وتشير العديد من الأدلة الكونية إلى هذا الاستنتاج — فإنها تمثل إعادة صياغة جذرية لفهمنا للكون وأصوله ومصيره النهائي.
فبينما يمثل قانون ليفيت طريقة جديدة لقياس حجم الكون، فإن قياس التسارع الكوني قد يؤدي إلى فهم جديد تمامًا لعلم الكونيات!
خاتمة:
تماماً كما رفض كارل بوبر الزعم بأن العلم يبدأ بملاحظة محايدة، مؤكداً أن الفرضية تسبق الرصد، وأن أعيننا لا تبحث إلا عما تُمليه علينا عقولنا؛ نجد تجسيداً حياً لهذا المنطق في تاريخ سُلّم المسافات الكونية.
لم يكن السلم مجرد رصد عشوائي للنجوم، بل كان صراعاً مستمراً بين 'توقعاتنا' وبين 'صدمة الأرقام' التي كانت ترفض أحياناً الانصياع لفرضياتنا المسبقة. لكن عظمة العلم لم تكن في الانحياز للملاحظة الانتقائية، بل في الشجاعة التي أبداها العلماء حين واجهوا تلك الأرقام المتضاربة، وحولوا 'أخطاء المعايرة' إلى اكتشافات كبرى غيرت فهمنا للكون.
إن هذا السلم المتدرج الذي بنيناه عبر العقود، يثبت أننا—رغم أجسادنا العالقة على هذا الكوكب—قد شيدنا معماراً ذهنياً وبصرياً فريداً؛ سُلّماً لا نتسلقه بأقدامنا، بل عبر بصيرتنا التي لا تعترف بالحدود، لنصل إلى أقاصي الكون من خلف عدسة تلسكوب.. ومن خلال ورقة وقلم.
________________________________________________
إن رحلتنا في فهم سُلّم المسافات الكونية ليست إلا تطبيقاً عملياً للمنطق الذي أرسى دعائمه برتراند راسل.
إذا كان هذا المقال قد كشف لكم كيف قسنا أبعاد السماء بالبيانات، فإن جذور هذا الفكر تمتد إلى أبعد من ذلك؛ إلى الطريقة التي نُعالج بها الفرضيات ونبني بها الاستنتاجات العلمية الرصينة.
لقراءة المزيد عن ورقة راسل البحثية، وكيف قمنا بتحليل مخطط راسل بأسلوب يدمج بين التحقيق الفلسفي والتدقيق الهندسي، ندعوكم لزيارة المقال السابق عبر الرابط التالي:
________________________________________________
المصادر :
https://www.ebsco.com/research-starters/history/leavitt-discovers-how-measure-galactic-distances
https://www.aavso.org/cosmic-distance-ladder
جُسور تواصلنا