في عالمٍ تحكمه الخوارزميات وتُقاس فيه الحقيقة بمعايير "البيانات الضخمة"، يبدو أننا وصلنا إلى قمة المعرفة البشرية. نحن نعرف كيف نشطّر الذرة، وكيف نتنبأ بحركة المجرات البعيدة، وكيف نختزل المشاعر الإنسانية في نبضات كهربائية وكيميائية! ولكن، في غمرة هذا النجاح الباهر، هل تساءلنا يومًا:
ما الذي يسقط منا في الطريق؟
جميع الحقوق محفوظة © [عام 2026] | بريشة وفكرة: [تغريد صلاح عشري]
تُعد تجربتي مع كتاب البقعة العمياء للمؤلفين [آدم فرانك، ومارسيلو غليزر، وإيفان طومسون]، تجربة فريدة من نوعها وقد الهمني خلال رحلتي وحبي للتعلم، وأفكاره جعلتني ارى العلم من منظور وسحر فريد من نوعه؛ فهو يركز على مبدأ انساني في تناول العلم ويحفز المرء على ألا يغوص بالتجريد وينسى معايشة العلم بكامل حواسه، فهو نقلة نوعية للفكر الجديد، حيث يطرح تساؤلاً جوهريًا حول "البقعة العمياء" في العلم؛ وهي تجاهل التجربة الحية والوعي الإنساني في صياغة النظريات، وتقديس التجريد الرياضي واهمال التجربة المباشرة والحسية.
وكما توجد في تشريح العين البشرية منطقة تُسمى "البقعة العمياء"؛ وهي النقطة التي يمر فيها العصب البصري عبر الشبكية، حيث لا توجد خلايا ضوئية، مما يجعلنا "عمياناً" عن جزء من المشهد _رغم أننا لا نشعر بذلك لأن الدماغ يملأ الفراغات_ وبالمثل، يبدو أن للعلم الحديث بقعته العمياء الخاصة! حيث تلك البقعة تجعلنا غافلين عن تجربة سحر العلم، وبدورها تجعل العلم يبدو جافًا وباهتًا وبلا لمسة إنسانية.
جاليليو واللحظة التي انقسم فيها العالم!
لكي نفهم جذور "البقعة العمياء"، علينا العودة إلى اللحظة التي قرر فيها جاليليو غاليلي أن الطبيعة "كتابٌ مكتوب بلغة الرياضيات"، وفي تلك اللحظة العبقرية وضع جاليليو حدًا فاصلاً بين نوعين من الخصائص: الأولية (التي يمكن قياسها كالحجم والوزن)، والثانوية (التي نشعر بها كالألوان والمذاق والروائح).
استخدم جاليليو مثالاً بسيطًا وصادمًا: الريشة التي تداعب كف اليد!
بالنسبة لغاليليو، "الدغدغة" ليست موجودة في الريشة، بل هي مجرد إحساس في وعي الإنسان. وبالمثل، فإن حمرة الورود أو حلاوة الفاكهة ليست حقائق موضوعية، بل هي "أوهام حسية" تقع خارج نطاق العلم الحقيقي.
يستخدم الكتاب مثالاً شهيرًا لغاليليو لتوضيح كيف سحب "الحقيقة" من التجربة الإنسانية:
النتيجة: "تجربة الطبيعة" أصبحت ثانوية!
وهنا تظهر البقعة العمياء! وبسبب جاليليو، أصبح العلم يرى أن العالم "الحقيقي" هو عالم المعادلات والأرقام والجزيئات الصماء (التي لا لون لها ولا طعم)، أما العالم "الحي" الذي نختبره يوميًا (عالم الألوان والجمال والمعنى) فقد تم تهميشه واعتبر "ذاتيًا" وغير حقيقي علميًا!
الاستبدال الخفي: عندما صارت الخريطة هي الأرض
بدلاً من أن تكون الرياضيات أداةً لوصف تجربتنا مع العالم، قام العلم بـ "استبدال خفي": استبدل العالم الحي الذي نلمسه ونشعر به، بعالمٍ جاف من المعادلات والجزيئات الصماء.
وأرى هذا الاستبدال يتكرر يوميًا؛ فنحن نغرق في "النمذجة" (Modeling) حتى نكاد نؤمن أن النموذج الرياضي هو الواقع، متناسين أن هذا النموذج فقدَ في طريقه "رائحة المطر" و"رهبة الغسق" و"وعي الإنسان" الذي لولاه لما كان للعلم وجود.
إن فلسفة البقعة العمياء لا تدعو لرفض العلم أو التقليل من شأنه، بل تدعو لـ "الصحوة" من وهم المعرفة المطلقة التي تستبعد الوعي. العلم الحقيقي لا يجب أن يكون خادمًا للأرقام فقط، بل يجب أن يكون متصلاً بالجذور الإنسانية التي نبع منها.
نحن بحاجة إلى علمٍ يعترف بأن "حركة العين" التي تراقب المختبر هي جزء من التجربة، وأن "إحساس الفنان" أمام لوحة اللاندسكيب هو نوع من المعرفة لا يقل أهمية عن المعادلات الكونية.
خاتمة: إبصار ما لا يُرى
إن كشف البقعة العمياء يعني أن ندرك أننا لسنا مجرد "معالجي بيانات" في كونٍ آلي، بل نحن المصدر الذي يمنح هذا الكون معناه، واستعادة هذا الترابط المفقود بين "العلم" و"التجربة المباشرة" هو السبيل الوحيد لترميم عالمنا الذي بدأ يفقد اتزانه تحت ثقل التجريد المادي!
في "سرمدي"، نؤمن أن الحقيقة ليست رقماً يُكتب، بل حياةً تُعاش بكل تفاصيلها.
____________________________________________________
المصدر : كتاب "The Blind Spot" للمؤلفين (Adam Frank, Marcelo Gleiser, and Evan Thompson).

جُسور تواصلنا