الرحلة لفك شفرات الكون جعلتني أغوص بأعماق البيانات الكونية الضخمة big data، واستقي من دهاليز الأرقام النابضة بالحياة معانى شتى؛ تجعلنى أقف أمام شاشة حاسوبي التي تحوي ثمانية عشر عمودا و مائة ألف صفًا وكأننى صفر مهمش يقف وحيدً بزاوية كونية منعزلة وشاهدًا أزليا على جمال وعظمة الكون.
فبينما أنا مستغرقة بتحليل البيانات الفلكية من SDSS SkyServer إلا أننى وقعت بخطأ شائع وذو حجم شاسع!
لقد حللت البيانات لجرم ما فوجدت أن سلسلته الزمنية نابضة بالحياة على فترات متفاوته والمنحنى الزمني كان يتراقص صعودًا وهبوطًا حتى ظننت أنه نجم قيفاوي _كما هو موضح بالمقال السابق _
إلا أننى عند مراجعة باقي الأعمدة وجدت أنه تم تصنيف هذا الجرم على أنه GALAXY مجرة! لكن لماذا قد يام رصد مجرة نابضة على فترات زمنية ولماذا قد تظهر وكأنها أحد النجوم القيفاوية؟
هنا تحمست لأصب تركيزى على هذا الجرم الغريب، فهناك احتمالات عدة للإجابة؛
1. وجود مجرة قزمة قريبة أو تفاعل مجري (Underlying Host Galaxy)
النجوم القيفاوية هي نجوم عملاقة وساطعة جداً (Supergiants). عندما يقوم تلسكوب مثل (SDSS) بمسح السماء، فإنه يلتقط الضوء القادم من بيكسلات معينة.
التفسير: إذا كانت هناك مجرة قريبة منا (مثل مجرة قزمة تابعة لدرب التبانة)، فإن التلسكوب يرى "المجرة ككل" ويصنف الجرم في الجداول كـ GALAXY. لكن، نظراً لأن النجم القيفاوي داخلها ساطع جداً، فإن ضوءه يهيمن على القياسات الضوئية (Photometry).
وعند رصد هذا الجرم عبر الزمن، يظهر المنحنى الضوئي للمجرة وهو "ينبض" بفعل ذلك النجم القيفاوي القابع في أحشائها، والذي لم يستطع التلسكوب فصله كأداة منفصلة بسبب زاوية الرؤية أو دقة الكاميرا.
2. نواة مجرة نشطة متغيرة (Active Galactic Nucleus - AGN)
المجرات ليست مجرد كتل ساكنة من النجوم. الكثير من المجرات تمتلك في مراكزها ثقوباً سوداء فائقة الكتلة تتغذى على الغازات المحيطة بها.
التفسير: هذه النوى المجريّة النشطة (AGNs) أو ما يُعرف بـ Seyfert Galaxies (وهي مجرات يسهل خلط منحنياتها مع الكوازارات QSOs والنجوم) تطلق طاقة هائلة تتغير مع الزمن.
في بعض الأحيان، بسبب طبيعة تدفق المادة حول الثقب الأسود (Accretion Disk Rate)، قد تُظهر هذه النواة تذبذباً أو تغيراً شبه دوري (Quasi-Periodic Oscillations) في سطوعها. هذا التغير يبدو في الرصد الرقمي على شكل منحنى ضوئي متموج يشبه إلى حد كبير نبضات النجوم المتغيرة!
3. ظاهرة العدسة الجاذبية الدورية (Gravitational Lensing Timescales)
هذا هو الاحتمال الأكثر إثارة في الفيزياء الفلكية:
التفسير: إذا كانت هذه المجرة تقع خلف جرم مظلم أو خلف مجرة أخرى ذات جاذبية عالية، فإن ضوء المجرة الخلفية ينحني ويمر عبر ما يسمى "العدسة الجاذبية".
إذا كان الجرم العدسي (الذي في المقدمة) يتحرك أو يدور بنظام معين، أو إذا كانت المجرة نفسها عبارة عن نظام ثنائي، فإن الضوء الواصل إلينا يتضخم وينخفض بشكل دوري ومنتظم جداً بفعل هندسة الزمكان، مما يعطي انطباعاً برمجياً بأن المجرة "تتنفس وتنبض" وهي في الحقيقة ثابتة، والجاذبية هي من تلعب بالضوء.
البرمجة هي تليسكوب يصور لنا الكون عن طريق شاشة حاسوبية
ولكي نحسم الشك باليقين ونعرف أي من هذه الأسباب هو الحقيقي وراء هذه المجرات الأربع، علينا بالذهاب فوراً إلى عمود الإزاحة الحمراء (redshift):
- إذا كان الـ redshift قريباً جداً من الصفر (أقل من 0.001): فهذه غالباً نجوم قيفاوية حقيقية أو مجرات قزمة قريبة جداً تابعة لمجموعتنا المحلية، والتصنيف الافتراضي للمسح أخطأ في وسمها كـ GALAXY.
- إذا كان الـ redshift كبيراً (مثلاً 0.1 أو أكثر): فهذه مجرات بعيدة سحيقة، والنبض القادم منها هو دليل قاطع على وجود نواة مجرية نشطة (AGN) أو ثقب أسود هائج يتغذى بشكل شبه دوري، وهذا بحد ذاته موضوع بحثي رائع ومثير!
لذا قمت بالفعل بعزل تلك الأجرام الأربعة ووجدت شيئا مثيرا للإهتمام، وجدت بالفعل لوحة فلكية برمجية مذهلة! الأشكال الأربعة ظهرت كاملة وبأبهى حُلّة، وأصبح لدينا منحنًى زمنيٌّ حقيقيٌّ لأربعة أجرام مختلفة ترصد تقلبات الضوء عبر الزمن.
والآن لنجيب عن السؤال العلمي المثير (هل هي نجوم تنبض أم مجرات نشطة؟):
قراءة البيانات الكونية لأربع أجرام تنبض بالحياة
- الجرم الأول (أعلى اليسار): الـ {Redshift} = 0.056.
- الجرم الثاني (أعلى اليمين): الـ {Redshift} = -0.000 (قريب جداً من الصفر أو سالب ضئيل نتيجة الحركة المقتربة).
- الجرم الثالث (أسفل اليسار): الـ {Redshift} = 0.029.
- الجرم الرابع (أسفل اليمين): الـ {Redshift} = 0.077.
التحليل العلمي (ماذا تخبرنا هذه الأرقام؟):
- الجرم الثاني (أعلى اليمين): بما أن الإزاحة الحمراء له صفرية تقريباً، فهذا يعني علمياً أنه جرم قريب جداً منا داخل مجرتنا درب التبانة. التذبذب الواضح في منحناه الضوئي يعود بنسبة كبيرة إلى أنه نجم متغير حقيقي (Variable Star) ينبض بالاتساع والانكماش، وتصنيفه كـ GALAXY في الجدول قد يكون خطأً إحصائياً من خوارزمية المسح الأوتوماتيكية، وهو أمر شائع يحدث عند تداخل الأجرام!
- الأجرام الثلاثة الأخرى: قيم الـ {Redshift} لها (0.029, 0.056, 0.077) هي قيم معتبرة في المسافات الكونية. هذه الأجرام تقع خارج مجرتنا على أبعاد سحيقة تُقدر بملايين السنين الضوئية، لذا فهي مجرات حقيقية فعلاً.
- التفسير الفيزيائي المثير هنا: بما أنها مجرات حقيقية وبعيدة، وفي نفس الوقت يظهر في منحناها الضوئي هذا التغير والاضطراب الواضح في السطوع عبر الزمن، فهذا مؤشر قوي على أننا نرصد "نواة مجرية نشطة" (Active Galactic Nucleus - AGN). النبض والاضطراب هنا لا يأتي من النجوم نفسها، بل من المادة المتكدسة حول ثقب أسود فائق الكتلة في مركز تلك المجرات، حيث يلتهم الغاز والغبار ويسخن بشدة مصدرًا هذا التوهج المتغير!
أولا سنرسم لوحة العلاقات المتبادلة sns.pairplot للجرم المحدد (الذي يحتوي على الرصدات المتكررة لهذا النجم المتغير أو النظام الكسوفي)، وسنقوم بتطبيق الحلول التي تمنع ظهور خطأ الـ bins وتضمن ظهور الرسم بسرعة مذهلة.
بما أن هذا الجرم يمتلك قيمة redshift ثابتة تقريباً في كل السطور (لأنه نفس الجرم)، فإن استخدام المنحنى الناعم kde للقطر هو الخيار البرمجى الأمثل للحماية من أي انهيار برمجي.
وبما أن هذا النجم يخفت فجأة (كما رأينا في الهبوط الحاد للمنحنى الزمني)، فإن الـ pairplot سيكشف لنا العلاقات الفيزيائية التالية:
- الخطوط القطرية (المحور المائل): ستعرض لنا منحنيات توزيع السطوع لكل فلتر. وسنلاحظ فوراً إذا كان الخفوت يحدث في فلتر معين بكثافة أكبر من الباقي، أو إذا كان التوزيع متماثلاً.
- تشتت النقاط (Scatter Plots): سنرى كيف تتغير الفلاتر معاً؛ فإذا كان الانخفاض في الفلتر r يقابله انخفاض خطي مباشر في الفلتر g و i (أي النقاط تصنع خطاً مستقيماً صاعداً)، فهذا دليل قاطع على أن الجرم بأكمله ينحجب ضوءه بشكل موحد (تفسير الكسوف). أما إذا كانت النقاط مبعثرة عشوائياً، فقد يعود الأمر لتشويش رقمي في فلتر دون الآخر.
وبذلك دعونا نفتح أمامنا كتاب الفيزياء الخاص بهذا الجرم، ولنرى ما تقوله هذه الخطوط والمنحنيات؛ فالأرقام هنا لم تعد صامتة بل بدأت تتحدث وتكشف سر هذا النجم:
1. قراءة التشتت (Scatter Plots) والعلاقات الخطية:
انظري إلى أي مربع يحتوي على نقاط (خارج المحور المائل)؛ سنجد أن النقاط تصنع خطاً مستقيماً مثالياً صاعداً وبأقل نسبة تشتت ممكنة.
ماذا يعني هذا فيزيائياً؟ هذا يعني وجود ارتباط خطي قوي جداً وآنّي (Perfect Linear Correlation) بين جميع الفلاتر الموجية (u, g, r, i, z).
عندما ينخفض السطوع (تزداد قيمة الـ Magnitude) في الفلتر r، فإنه ينخفض بنفس النسبة والدرجة تماماً في الفلتر g والفلتر i وبقية الأطوال الموجية. هذا يسقط تماماً فرضية "البيانات الشاذة أو الأخطاء الرقمية للفلتر الواحد"، لأن الكاميرا رصدت الخفوت في جميع القنوات اللونية الفلكية في نفس اللحظة!
2. قراءة منحنيات الكثافة (KDE على القطر):
المنحنيات على المحور المائل تمثل توزيع درجات السطوع المكررة للنجم عبر فترات رصده.
إذا نظرنا إليها، سنجد قمة رئيسية شامخة وعريضة (تتحرك بين درجات قدر ظاهري معينة)، ولكن على اليسار هناك "انبعاج أو قمة صغيرة ثانوية" (Bimodal Distribution) في القاع السفلّي للتوزيع.
التفسير الكوني: هذه القمة الصغيرة المنفصلة تمثل تماماً "لحظات الكسوف" أو الهبوط الفجائي الذي رأيناه في المنحنى الزمني؛ حيث يقضي النجم معظم وقته في حالة سطوع مستقر (القمة الكبرى)، ثم يهبط لفترات وجيزة ومحددة ليمكث في القاع (القمة الصغرى الحالية).
النتيجة البحثية الشبه قاطعة:
البيانات الآن تدعم وبقوة أننا نتعامل مع نظام نجمي ثنائي كسوفي (Eclipsing Binary Star System) حقيقي داخل مجرتنا، حيث يحجب النجمان بعضهما بانتظام؛ مما يؤدي لخفوت جماعي متزامن في كل الألوان والاتحادات الضوئية.



جُسور تواصلنا